الثعالبي

368

جواهر الحسان في تفسير القرآن ( تفسير الثعالبي )

قوله تعالى : * ( فلما قضينا عليه الموت . . . ) * الآية . روي عن ابن عباس وابن مسعود في قصص هذه الآية كلام طويل ، حاصله : أن سليمان عليه السلام لما أحس بقرب أجله ; اجتهد - عليه السلام - وجد في العبادة ; وجاءه ملك الموت ، وأخبره أنه أمر بقبض روحه ، وأنه لم يبق له إلا مدة يسيرة . قال الثعلبي : وقال سليمان عند ذلك : اللهم ، علي الجن موتى ; حتى يعلم الإنس أن الجن لا يعلمون الغيب ، وكانت الجن تخبر الإنس أنهم يعلمون من الغيب أشياء ، وأنهم يعلمون ما في غد ، ولما أعلمه ملك الموت بقرب الأجل أمر حينئذ الجن ، فصنعت له قبة من زجاج تشف ; ودخل فيها يتعبد ; ولم يجعل لها بابا ، وتوكأ على عصاه على وضع يتماسك معه وإن مات ، ثم توفي - عليه السلام - على تلك الحالة ، فلما مضى لموته سنة ، خر عن عصاه ، والعصا قد أكلتها الأرضة ; وهي الدودة التي تأكل العود ; فرأت الجن انخراره فتوهمت موته ; " والمنساة " : العصا ، وقرأ الجمهور : * ( تبينت الجن ) * بإسناد الفعل إليها ، أي : بان أمرها ، كأنه قال : افتضحت الجن ، أي : للإنس ، هذا تأويل ، ويحتمل أن يكون قوله : * ( تبينت الجن ) * بمعنى : علمت الجن وتحققت ، ويريد بالجن : جمهورهم ، والخدمة منهم ، ويريد بالضمير في * ( كانوا ) * : رؤساءهم وكبارهم لأنهم هم الذين يدعون علم الغيب لأتباعهم من الجن والإنس . / وقرأ يعقوب : " تبينت الجن " على بناء الفعل للمفعول ، أي : تبينها الناس ، و * ( العذاب المهين ) * : ما هم فيه من الخدمة والتسخير وغير ذلك ، والمعنى : أن الجن لو كانت تعلم الغيب لما خفي عليها موت سليمان ; وقد ظهر أنه خفي عليها بدوامها في الخدمة الصعبة ، وهو ميت ف‍ * ( المهين ) * المذل ، من الهوان ، وحكى الثعلبي : أن الشياطين قالت للأرضة : لو كنت تأكلين الطعام لأتيناك بأطيب الطعام والشراب ، ولكنا سننقل إليك الماء والطين ; فهم ينقلون إليها ذلك حيث كانت شكرا لها ، انتهى .